أحمد أمين

26

كتاب الأخلاق

ورثناه من آبائنا وأجدادنا هو طبيعتنا الأولى ، ولها سلطان كبير على الإنسان ، فلو حاول أن يبصر بأذنه ويسمع بعينه ما استطاع ، فهو لا بد خاضع لسلطانها . وما يدخله الإنسان على الطبيعة الأولى من التحسين والتقبيح هو ما يسمى « الطبيعة الثانية » أو العادة ، ولها كذلك سلطان كبير ؛ فالطريق الذي نختطه لأنفسنا في الحياة ونعتاد السير فيه له من السلطان علينا ما يقرب من سلطان الطبيعة ، فنحن أحرار في السنين الأولى من حياتنا لا سلطان للعادة علينا ، حتى إذا نمونا كان نحو التسعين في المائة من أعمالنا - من لبس وخلع وطريقة أكل وشرب ونمط في الكلام والسلام والمشي والمعاملة - معتادا نعمله بقليل من الفكر والانتباه ، ويصعب علينا العدول عنه ، وتصبح حياتنا مجرد تكرير لأفكار وأعمال كسبناها في أول عهدنا بالحياة . فإذا نحن عنينا بتكوين العادات الصالحة من صغرنا عنيت هذه العادات بنا في بقية حياتنا وجنينا من ورائها ربحا عظيما . فنحن كالنساج ننسج اليوم بأيدينا ما نلبسه غدا ، وكالمصور يعمل صورة من جبس لين لا يلبث بعد أن يتصلب ، فإن اعتنى بالصورة وجملها كانت - مدة بقائها - زينة تسر الناظرين ، وإن لم يعتن بها وخرجت مشوهة جمدت على شكلها وكانت غصة للرائين . فواجب أن نجمع في سنينا الأولى من صالح العادات ما يجلب لنا طول عمرنا الراحة والسعادة ، وأن ندخر في شبابنا من العادات الطيبة أكبر ما يمكن من رأس المال لنتمتع بأرباحه في أيامنا المقبلة . والعادة كما قال الأستاذ ( جيمس ) هي التي تسهل على المعدنين العمل في ظلمات المناجم ، وعلى الغواصين عملهم في البحر الهائج البارد والأمواج المضطربة ، والملاحين في الريح العاصف ، والفلاحين في حقولهم يقاسون ألم الحر والقر . . . العادة هي التي تكسب كل ذي حرفة سحنة خاصة ونمطا خاصا في الأفكار والعقائد والميول والحديث ، ثم هو بعد أن ينطبع بهذه الطوابع يأنس بحرفته ولا يستطيع أن ينتقل منها إلى غيرها إلا بصعوبة . وقوة العادة هي التي تجعل المسنين يرفضون الآراء الجديدة والمستكشفات الحديثة ، على حين نرى الأحداث يسرعون في اعتناقها والعمل بها ، ذلك لأن